ابن قتيبة الدينوري
98
تأويل مشكل القرآن
قال اللّه تعالى : وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ [ الحجرات : 11 ] ، أي لا تعيبوا إخوانكم من المسلمين ، لأنهم كأنفسكم . وقال : لَوْ لا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً [ النور : 12 ] أي بأمثالهم من المسلمين . وبعض المفسّرين يقول في قوله تعالى : فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً [ النور : 61 ] ، أي على أهليكم ، جعلهم أنفسهم على التّشبيه . وقال : ابن عباس في تفسير ذلك : البيوت : المساجد ، إذا دخلتها سلّمت على نفسك وعلى عباد اللّه الصالحين . وقال تعالى : اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ [ الأنفال : 24 ] ، أي إلى الجهاد الذي يحيي دينكم ويعليكم . وقال : وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [ النساء : 29 ] ، أي لا تقتلوا إخوانكم ، وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ [ البقرة : 188 ] ، أي أموال إخوانكم . وإن جعلته بمعنى لا يأكل بعضكم مال بعض ، ولا يقتل بعضكم بعضا - فهو أيضا قريب المعنى من الأوّل . وقال تعالى : وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ [ الأعراف : 11 ] أراد : خلقنا آدم وصوّرناه ، فجعل الخلق لهم ، إذ كانوا منه . ومنه قوله : إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ ، [ ق : 37 ] أي عقل ؛ لأن القلب موضع العقل ، فكنى عنه به . وقوله : أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهذا [ الطور : 32 ] ، أي تدلهم عقولهم عليه ؛ لأن الحلم يكون من العقل ، فكنى عنه به . ومنه قوله : فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ ( 13 ) [ الفجر : 13 ] لأن التعذيب قد يكون بالسوط . ومنه قوله : وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً [ النساء : 157 ] يعني العلم ، لم يتحقّقوه ويستيقنوه . وأصل ذلك أن القتل للشيء يكون عن قهر واستعلاء وغلبة . يقول : فلم يكن علمهم بقتل المسيح علما أحيط به ، إنما كان ظنّا .